أصلاء بصفة أجانب: التجريد من الجنسية كسياسة للإقصاء في سوريا
توّثق هذه الورقة سياسة التجريد من الجنسية التي طُبّقت على عشرات آلاف الكرد في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، بدءاً من الإحصاء الاستثنائي الذي أجرته الدولة السورية في يوم واحد بتاريخ 5 تشرين الأول/أكتوبر 1962، بموجب المرسوم التشريعي رقم 93 الصادر في 23 آب/أغسطس من العام نفسه. والذي ترتّب عليه تجريد أكثر من 120 ألف كردي من جنسيتهم السورية، وتقسيمهم إلى فئتين رئيسيتين محرومتين من الاعتراف القانوني الكامل: «أجانب الحسكة» الحاصلون على بطاقة إقامة مؤقتة، و«مكتومو القيد» غير المسجلين في أي سجل رسمي، إلى جانب فئة ثالثة من الكرد ظلوا يحملون الجنسية لكنهم واجهوا قيوداً فعلية على المشاركة السياسية والاقتصادية.
تجمع الورقة بين ثلاثة مستويات من التحليل: إطار نظري وتاريخي يربط هذه السياسة بمسار تشكّل الدولة السورية الحديثة وبمفاهيم الأمننة وحالة الاستثناء، مع مراجعة قانونية لتطور الدساتير وقوانين الجنسية السورية المتعاقبة، بما فيها البعد الجندري المتمثل في حرمان المرأة السورية من حق نقل جنسيتها لأبنائها، إلى جانب شهادات مباشرة توثّق الأثر الفعلي لهذه السياسة على الحق في التعليم والعمل والزواج والتملك والتنقل وتسجيل الوقائع المدنية، عبر أجيال متعاقبة.
تستند الورقة إلى مراجعة للوثائق التاريخية والقانونية والتشريعية ذات الصلة، إلى جانب نحو 100 مقابلة مع أشخاص متضررين ومتضررات، ومخرجات منتدى الضحايا الذي عقدته منظمة GAV في قامشلو، بهدف توثيق تجاربهم وفهم الآثار القانونية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة على فقدان الجنسية أو عدم إثباتها. وتظهر هذه الأدلة أن التجريد من الجنسية لم يكن إجراءً إدارياً محدود الأثر، وإنما أسهم في إنتاج حالة طويلة الأمد من الإقصاء القانوني والاجتماعي والاقتصادي، امتدت آثارها إلى الأجيال اللاحقة.
وتكشف الدراسة كذلك عن بُعد جندري واضح للقضية، إذ ساهمت القيود المرتبطة بقواعد الجنسية والتسجيل المدني ونقل الجنسية في استمرار بعض حالات انعدام الجنسية داخل الأسر عبر الأجيال، مع آثار خاصة على النساء والأطفال. كما أدى غياب الوضع القانوني المستقر إلى زيادة هشاشة الأسر المتضررة والحد من قدرتها على الوصول إلى الحقوق والفرص الاقتصادية والاجتماعية والمدنية على قدم المساواة.
يمثل المرسوم رقم 13 لعام 2026 تحولاً قانونياً في معالجة آثار إحصاء عام 1962، من خلال إلغاء التدابير الاستثنائية التي نتجت عنه وتسوية الوضع القانوني للفئات المتضررة. إلا أن المعالجة القانونية لا تكتمل بمجرد صدور التشريع؛ إذ يعتمد أثره الفعلي على وجود إجراءات تنفيذية واضحة وميسّرة، وقدرة المتضررين على الوصول إلى الجهات المختصة واستصدار الوثائق وإثبات حقوقهم، وضمان عدم استمرار الآثار المترتبة على انعدام الجنسية أو انتقالها إلى الأجيال اللاحقة.
وبناءً على ذلك، تخلص الورقة إلى أن معالجة قضية التجريد من الجنسية تتطلب مقاربة تتجاوز تصحيح الوضع القانوني إلى معالجة الآثار التي ترتبت عليه خلال عقود. وتشمل هذه المقاربة تسوية أوضاع جميع المتضررين، وتسهيل إجراءات التسجيل وإثبات الجنسية، ومعالجة الآثار المترتبة على فقدان الملكية والحقوق المدنية والاقتصادية، وضمان عدم انتقال انعدام الجنسية إلى الأبناء، إلى جانب مراجعة الأطر القانونية بما يضمن المساواة وعدم التمييز والحق في الجنسية.
التوصيات الرئيسية
- الاعتراف الرسمي بالانتهاك: الاعتراف الرسمي والواضح بالانتهاك التاريخي الذي تعرض له الضحايا، وبالآثار التي ترتبت عليه على الأفراد والأسر والأجيال اللاحقة. على أن يتضمن هذا الاعتراف الإقرار بأن إحصاء عام 1962 والتدابير التي ترتبت عليه أدت إلى حرمان الضحايا من الجنسية والحقوق المرتبطة بها، وأن هذا الحرمان لم يكن مجرد خلل إداري في السجلات المدنية، وإنما ممارسة ذات آثار قانونية واجتماعية واقتصادية ممتدة.
- ضمان التنفيذ الفعلي للمرسوم رقم 13 لعام 2026 من خلال وضع إجراءات واضحة ومبسطة وميسّرة لتسوية أوضاع المتضررين، مع إزالة العوائق الإدارية والمالية التي قد تحول دون استفادتهم من حقوقهم.
- تسوية أوضاع جميع الأشخاص المتضررين من آثار إحصاء عام 1962، بما يشمل من حُرموا من الجنسية ومن لم يتمكنوا من تسجيل وضعهم المدني، وضمان عدم استمرار هذه الآثار بالنسبة إلى أبنائهم وأحفادهم.
- تسهيل الوصول إلى التسجيل والوثائق المدنية، واعتماد إجراءات إثبات مرنة تراعي الحالات التي فقدت أو لم تتمكن تاريخياً من الحصول على الوثائق الرسمية نتيجة لظروف التجريد من الجنسية.
- معالجة آثار الحرمان من الملكية والحقوق الاقتصادية من خلال توفير آليات قانونية فعالة لاسترداد الحقوق والممتلكات أو الحصول على جبر مناسب عند تعذر ذلك.
- ضمان المساواة وعدم التمييز في قوانين الجنسية والتسجيل المدني، بما في ذلك ضمان عدم إنتاج التشريعات أو الإجراءات الإدارية حالات جديدة من انعدام الجنسية، ومعالجة أوجه التمييز التي تؤثر بصورة خاصة على النساء والأطفال.
- اعتماد تدابير لضمان عدم تكرار هذه الممارسات، من خلال حماية الحق في الجنسية والمساواة أمام القانون، وتعزيز الرقابة على تطبيق تشريعات الجنسية والتسجيل المدني، وضمان توافقها مع الالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان.
- إشراك المتضررين والمتضررات في عمليات الإصلاح وصياغة السياسات ذات الصلة، والاستفادة من شهاداتهم وتجاربهم في تقييم تنفيذ الإجراءات الجديدة وتحديد العقبات التي قد تواجههم.
- إنشاء مراكز دعم نفسي للضحايا وأسرهم: توفير خدمات دعم نفسي واجتماعي متخصصة تراعي الآثار الممتدة لعقود من الحرمان والإقصاء، مع إتاحة هذه الخدمات بصورة مجانية أو ميسّرة، ولا سيما للنساء وكبار السن والأسر التي امتدت آثار التجريد من الجنسية فيها إلى أجيال متعاقبة.
يمكنكم الإطلاع على الورقة كاملة أو تحميلها بصيغة PDF، عبر الرابط التالي أو النقر على الرمز المرفق:
https://www.gav4rd.org/wp-content/uploads/2026/09/Natives-as-Foreigners-ar-2026.pdf
